العزاء بين قيم التكافل وعبء التكاليف

يُعد العزاء مناسبة اجتماعية تحمل في طياتها قيم التضامن والتعاطف حيث يجتمع الأهل والأصدقاء لتقديم الدعم المعنوي والمادي لأسر المتوفين.

ورغم المعاني النبيلة التي يحملها هذا التقليد إلا أنه أصبح في بعض الأحيان مصدرًا للضغوط المالية والنفسية خاصة مع توقعات استقبال الضيوف وتوفير الطعام طوال أيام العزاء.

وتتفاوت تقاليد العزاء من منطقة لأخرى إلا أن هناك بعض الممارسات المشتركة مثل إقامة المجالس لعدة أيام استقبال المعزين وتقديم الطعام والشراب. ومع مرور الوقت تحولت بعض هذه العادات من فعل تضامني طبيعي إلى عبء ثقيل يضاف إلى كاهل أسرة المتوفى.

وفي الماضي كان التكافل الاجتماعي يضمن توزيع الأعباء حيث كان الجيران والأقارب يتعاونون في إعداد الطعام لأسر المتوفى فقط ، أما اليوم في المدن الكبرى على وجه الخصوص، أصبح العزاء أحيانًا مشروعًا مكلفًا يتطلب تأجير صالات عزاء، خاصة إذا كان المنزل غير متسع، بالإضافة إلى توفير وجبات يومية لعدد كبير من الضيوف إذا كانوا قادمين من خارج المدينة. كل هذه التكاليف تُثقل كاهل أسرة المتوفى في وقت هي في أمسّ الحاجة فيه إلى الدعم المعنوي والنفسي لا إلى مزيد من الأعباء المالية.

وفي العرف الاجتماعي التقليدي كان من المعتاد أن يتم تحضير الطعام فقط لأسر المتوفى وليس للضيوف الحاضرين. كان الجيران والمقربون يتكفلون بتوفير الطعام لهم بشكل يخفف عن الأسرة المكلومة مما يعكس التضامن والتكافل الحقيقي. لكن مع مرور الوقت أصبحت بعض العائلات تشعر بضغط اجتماعي لاستقبال الضيوف وتقديم الطعام لهم مما يضيف عبئًا إضافيًا.

أهل المتوفى يواجهون ضغوطًا نفسية إذ يتعين عليهم استقبال ضيوف مقربين من خارج المدينة والتكفل بسكنهم وطعامهم مما يزيد العبء المالي والنفسي في وقت هم في أمسّ الحاجة فيه إلى الدعم النفسي والمعنوي. كما يتعين عليهم الحفاظ على “المستوى المتوقع” للضيافة خوفًا من الانتقادات الاجتماعية. كما يعانون من الإرهاق الجسدي والنفسي لعدة أيام في وقت هم في أمس الحاجة للمواساة في مصابهم.

في القرى والمناطق الصغيرة يظل التكافل الاجتماعي حاضرًا بقوة حيث يتعاون الجميع في تحمل التكاليف. بينما في بعض المدن قد يتحول العزاء إلى مناسبة رسمية باهظة، مما يضع الأسر العادية في موقف صعب. وبالتالي قد يكون من الأفضل العودة إلى البساطة كما كان الحال في الماضي بتوزيع المهام بين الأقارب والجيران بل وفي بعض الحالات يمكن الاكتفاء بعدم تقديم الطعام خاصة إذا كانت الأسرة غير قادرة ماديًا.

رغم أن العزاء يظل تقليدًا إنسانيًا ودينيًا يعكس قيم التعاطف إلا أنه من المهم موازنة هذه العادات مع واقع الأسر واحتياجاتها. في النهاية الهدف الأساسي من العزاء هو المواساة، وليس إرهاق الأسر بالمزيد من الأعباء. المجتمع بدأ يدرك هذه التحديات وهناك توجه متزايد نحو تبسيط العزاء مع الحفاظ على جوهره الروحي والإنساني.

ختاماً : إن العزاء ليس في بذخ الطعام أو الفخامة بل في القوة الحقيقية للمواساة – العزاء لا يُقاس بكمية الطعام أو التفاصيل الأخرى المبالغ فيها بل بصدق التعاطف والمشاركة في الأحزان.

عندما تتحمل الأسرة عبئًا نفسيًا وماليًا إضافيًا بسبب عادات المجتمع فإن الهدف النبيل للعزاء يتلاشى ويصبح عبئًا بدلاً من أن يكون وسيلة للمواساة ، العزاء الحقيقي هو أن نجد البساطة في هذه اللحظات الصعبة وأن نقدم الدعم بكل تواضع بمودة ورحمة ، فالمواساة الحقيقية لا تكمن في المظاهر بل في الأفعال الصادقة التي تساند وتخفف من وقع المصاب الجلل.

همسة 

نسأل الله أن يحفظ لكم أحباءكم ويجنبكم فواجع الأقدار وأن يطيل أعماركم في طاعته مكللين بالعافية ومحفوفين بالسكينة والرضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى